آخر الأخبارمقالات

صلاح الكامل يكتب : تجربة الحكم في السودان .. بين جدلية الإختيار ونتاج الإختبار !!

الخرطوم : السودان نيوز

● السودان ذلكم البلد الذي تتنوع ثقافاته، تتعدد اعراقه وتتباين اطيافه، بيد انها تنصهر ودا وتعارفا، تعايشا وتكاتفا، تتباين أعرفه لكنها تتمظهر إلفة وتلاقي، سماحة وثراء، لم يكن اختلاف اللون إلا زيادة في روعة اللوحة ولم يفرق المعتقد الجمع وزاد اختلاف اللهجات ابداعات خطابنا ثراءا ولم ينقصها علي قول الراحل عمر الحاج موسي بين يدي جعفر نميري آبان احدي (فوزاته) برئاسة اتحاده الاشتراكي وقتها (فتحدثت احداهن بالعربية وتحدثت الثانية بالرطانه وخلطت الثالثة العربية بالرطانة فزادت العربية حلاوة علي حلاوتها)،
وانت تعلم -عزيزي القاريء- ان حياتي وحياتك بلحاظ التحديد هي مجموع المواقف وتعداد اللحظات التي نقف فيها، نمر بها ونعبر اليها، تجويد الموقف وتهديف المسير ضمين التوفيق وقرين السداد، فينبغي أن نستصحب ما سبق حتي نهدف اعمارنا ونعبد مساراتنا ونجود تجاربنا أذا أردنا صلاح الحال وزين المآل.

● مرت بلادنا خلال النصف قرن الأخير بتقلبات كبيرة وتباينات واسعة أضحت تشكل الحالة الراهنة وتؤثر علي اللاحقة، فقد جعلت جيلنا والجيل الذي قبله وذلك الذي يليه، جله قد وقع في حالة بين جدلية الاختيار في ظل خيارات متباينة ومتقاطعة وبين نتاج الاختبار في وضعية تنشد الحرية، السلام والعدالة، تعثر الحكم مذ اعلان الاستقلال فلم تمهل ديمقراطيته ثلاث نظم عسكرية.. حكومة ما بعد الاستقلال باغتها بعد عامين انقلاب عبود الذي لم يرسي للحكم ركيزه حتي اجتاحته ثورة أكتوبر بحكومة جبهة الهيئات لتليها التجربة الحزبية الثانية والتي رغم ادبياتها العالية فشلت كغيرها حتي في كتابة دستور دائم للبلاد!، فقد عاصرنا حقبة مايو جعفر نميري لما يزيد علي العقد وست من السنين، ابتدرها نميري يساريا واختتمها يمينيا وبينهما تقلب وتبدل الي ان اجتاحه الطوفان، فجاءت انتفاضة ابريل ١٩٨٥م التي ولدت (انتقالية سوار الذهب وديمقراطية الصادق) فنجح سوار الذهب في التقيد بالزمن فكان عاما واضحا افضي لديمقراطية لها وعليها وقيل عنها (لو شالا كلب ما في زول بيقولو جر )- علي قول الشريف زين العابدين الهندي، الي ان حطت (الانقاذ) بشدها وجذبها فعملت ثلاثين سنون حسومه عمدت خلالها لتمكين رهطها وراثة وتثبيت عودها ارتكازا،
● أدخلت (الانقاذ) الناس في تجربة مارست الاستقطاب الحاد وجاءها الآخر المضاد حتي انفصل جسد الوطن وفقد جزءا عزيزا من اديمه ورفع بنوه البندقية في وجهه، فازيلت عذرية البقعة ضحي ابلج وتسلح ثلة قبالة اهلهم اهل المحمل والكسوة واداروا طاحونة الموت، وليس ذلك فحسب، فهناك في سياق متصل ذهب الشرق مذاهب شتي قبل ان يبرز – كنتاج للممارسات الانقاذ السالفه-، في عهد الثورة ذهب رجله الاشهر الناظر ترك الي حد بعيد في صراعه مع المركز واضافة الي ان النيل الأزرق وكردفان تنفتحان علي اي محتمل وقبلهما دارفور .
● طالت بنا الاعمار حتي شهدنا هبة اعصار الشعب في ديسمبر والتي ازالت عروش علي نقوشها وقد كان قطانها يظنونها تنتظر عيسي المسيح”ع”،فخرجت جموع الشعب واحتكمت للشارع واعتصم الثوار بمبني قيادة الجيش ورفع شعار ( السلمية) بيد أنه سرعان ما فض الاعتصام ب(النار)، فخرجت الجموع (وأخرجت الارض اثقالها) في الثلاثين من يونيو٢٠١٩م فاعادت التوازن وحفظت الوزن، وسرعان ما بخع (العسكر) لأمر الشعب وتماهوا معه فشكل السيادي – بخلطة مدنية وعسكرية- وعين مجلس الوزراء -أغلبهم مدني- وسارت الوتيرة والتشريعي ما زال ينتظر !
●¤ان جيلنا ينتظره منه أن يجول الفكر ويعتمل الفهم ويجتهد ويسعي، يدقق ويحقق، يكد ويجد، يختبر ويختار حتي يخارج تجربته بشكل به يذكر وعليه يشكر. بحسبان سقوط التجربة الاشتراكية في روسيا وان الدولة الدينية لم تستمر الي في التجربة (الاسرائيلة) و(شبيهتها من جهة دينية الدولة) وعدوتها اللدودة الجمهورية الاسلامية الايرانية والتي نرجو ان تسمح لنا الصروف بطرح مقال منفصل عن تجربتها التي استمرت الي اكثر من اربعين عاما لما له من تشابه وتضاد مع الانقاذ .
● بين كل ذاك نجد ان احكام الشريعة الاسلامية قد ابتدرها جعفر نميري في ما يشبه تقلباته السياسية وقد ركز علي الجانب العقابي في احكام الشرع التي اصطلح خصومها لها اسم (قوانين سبتمر) ورغم ما لتجربة نميري وما عليها الا انها رمت بالشريعة كمفصلة لم تشيء حكومة سوار الذهب/ الجزولي تجاوزها وصعب علي ديمقراطية الصادق المهدي الغائها، الا ان دخلت الانقاذ في الخط ورغم رفع الاخيرة للشعار الاسلامي الا انها افتقطته في الخطاب حيث لم يحدث انزال حقيقي للشريعة الاسلامية طيلة الثلاثين عاما.
● من المعيب وقوفنا في دهاليز محطات الماضي بغير تدبر ومن السوء اضاعتنا الوقت كله فيما سلف وفي ذات السياق علينا أخذ العبر مما مضي والتماهي مع الحاضر بما استجد والرنو للمستقبل بما يلزم، املا في الخلوص لتجربة تحقق سلامة الممارسة في تداول السلطه وتقاسم الثروة لصالح البلاد ولخير العباد.

* *منشور في صحيفة الانتباهة الصادره اليوم الجمعه ٦ اغسطس٢٠٢١م صفحة١٠*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
u7M8sXy5