آخر الأخبارالثقافة والتراث

هل غابت المسألة الفكرية عن مشروع الإسلاميين الإصلاحي؟

عربي : بلال التليدي

في لقاء عابر جمعني بالدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله بالدوحة ضمن فعاليات مؤتمر الإصلاح السياسي سنة 2008، كشف لي عن معطيات مهمة تتعلق بالإقبال على كتاباته، وذكر لي أن الإسلاميين، لاسيما في المغرب وتونس، هم النسبة الغالبة من قراء مشروعه الفكري.

 

ولأن الأمر كان يتعلق بشكل خاص بمشروعه الفكري (نقد العقل العربي بثلاثيته المشهورة، قبل أن ينضاف إليها كتابه الرابع المتأخر عن العقل الأخلاقي)، فقد اتجه الحكم ربما لتوصيف العقد الأخير من القرن الماضي، العقد الذي كانت فيه المسألة الفكرية في صلب اهتمام الإسلاميين، ومركز الرحى في برامجهم التثقيفية والتربوية.

 

أستعيد اليوم هذه الشهادة، وأحاول أن أختبر مدى إمكانية تعميمها على العقد الحالي، وما إذا كان الإسلاميون اليوم لا يزالون يحتفظون بمركزية هذه المسألة في مشروعهم الفكري.

 

يحاول هذا المقال أن يستعرض جزءا من تجربة الإسلاميين، التي كانت فيها المسألة الفكرية تتمتع بحيز مهم في مشروعهم، مع محاولة تفسير أسباب تبوئها ذلك الحيز المركزي، وما إذا كانت لا تزال تحتفظ بنفس المكانة، أم أنها تراجعت، وهل ثمة أسباب يمكن بها تفسير ذلك؟

 

تجارب مهمة في تثوير المسألة الفكرية

 

سيكون من الصعب أن نستقرئ الجهود التي حاولت أن تلفت الانتباه إلى المسألة الفكرية لدى الإسلاميين، لكن من المفيد جدا، أن نحصر بعض المحاولات الجادة التي ساهمت في تثوير المسألة الفكرية، وفي طرح مقترحات عملية لخلق الفاعلية الفكرية في أوساط الإسلاميين.

 

تبدأ أولى هذه التجارب، بمحاولة الإمام حسن البنا وضع منهاج ثقافي لتأطير الدعاة وتكوينهم شرعيا وتاريخيا وفكريا، ضمن دورات متخصصة. وتذكر الكتب التاريخية لحركة الإخوان أن الإمام حسن البنا أشرف بنفسه على إعداد هذا المنهاج، وأرسله للأزهر قصد إبداء الرأي فيه.

 

ويشمل هذا البرنامج تدريس القرآن الكريم وعلومه وتفسيره، والسنة وعلومها وما يتعلق بها، العقائد والآراء، والفقه والتشريع وأصولهما وتاريخهما ورجالهما، والفلسفة وعلم النفس والأخلاق وما إليهما، والاجتماع وعلومه، والخدمة الاجتماعية، مع التطبيق بالحالة الحاضرة في مصر خاصة والعالم، وبالأخص العالم الإسلامي، والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والتاريخ العام وفن الخطابة العلمية والعملية.

 

ومما يلاحظ على مادة هذا المنهاج درجة الانفتاح على المراجع التاريخية والفكرية والسياسية، فضلا عن المراجع المرتبطة بمداخل العلوم الاجتماعية، مما كان يعتبره الإمام حسن البنا، آليات مهمة لفهم الواقع، لتوفير أرضية صلبة لنجاح الدعوة وتجويد أساليبها وتقوية أثرها.

 

كما مثل أبو الأعلى المودودي، من خلال اشتباكه الفكري العميق بكل القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي واجهها، نموذجا للقيادات الحركية التي جمعت بين الكسب النظري المواكب، وبين القيادة الحركية، بحيث أصبحت كتبه الفكرية، برنامجا أساسيا لتأطير الجماعة الإسلامية في باكستان، بل أحدثت كتبه تأثيرا كبيرا في مختلف الحركات الإسلامية، حتى صارت متنا تأسيسيا لكثير من خطوط الحركة الإسلامية خلال الستينيات والسبعينيات، وبعضها امتد إلى الثمانينيات.

 

ويكشف سيد قطب رحمه الله، في مراحله الأولى داخل الحركة الإسلامية عن اهتمام فكري قوي كان يتقاسمه مع عدد من القيادات الفكرية للحركة الإسلامية، إذ كشف في كتابه: “في التاريخ فكرة ومنهاج” الحاجة إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وبسط الدواعي التي تحتم ذلك، والتي تدور كلها حول الوظيفة الفكرية والمعرفية التي تقوم بها إعادة كتابة التاريخ الإسلامي في إعادة الاعتبار للدور الحيوي للإسلام في الواقع، كما بسط في كتابه “نحو مجتمع إسلامي” مشروعه التجديدي في الانطلاق من مقاصد الشريعة ومبادئها العامة للبحث عن إجابات معاصرة لتحديات الواقع ومعضلاته.

 

الشيخ القرضاوي يرسم برنامجا لتثقيف الداعية

 

اهتم الشيخ القرضاوي مبكرا بحصر العدة الفكرية والثقافية التي تلزم الداعية في مهمته الدعوية حتى يكون قادرا على التأثير والتوجيه، وبدا له من اشتباكه مع الواقع، وملاحظة الشكل الذي تتفاعل به الحركة الإسلامية معه، نقص كبير في المادة الفكرية التي تعين الداعية على التأثير، فاقتنع بضرورة تمكين أبناء الحركة والدعاة بجملة مقترحات ومراجع تكون ثقافة الداعية، ضمن ستة مجالات هي: الثقافة الإسلامية، والثقافة الأدبية واللغوية، والثقافة العلمية، والثقافة التاريخية، والثقافة الإنسانية، والثقافة الواقعية، فقدم في كل مجال عددا مهما من المراجع التي باتت تشكل المرجعية الفكرية للإسلاميين، والزاد الدعوي والفكري والثقافي الذي يرجعون إليه في بناء دروسهم التربوية، وفي تكوين عقلهم المعرفي وصوغ مسألتهم الفكرية.

 

سعيد حوى والمسألة الثقافية لجند الله

 

اهتم الشيخ سعيد حوى بشكل كبير بالمسألة الثقافية لدى الحركة الإسلامية، وحاول أن يضع برنامجا لتثقيف جند الله، وكان ينظر إلى الثقافة بمنظار وظيفي حزبي، ولذلك اختار من المراجع ما يعين على تحقيق الأهداف الحركية التي كان يستهدف تحقيقها، ويشكل الهدف السياسي المتمثل في توحيد الأمة وإحياء منصب الخلافة وإقامة دولة الإسلام العالمية، وقد ألف كتابه “جند الله ثقافة وأخلاقا” بقصد معالجة الوضع الثقافي والتربوي المختل، فاقترح فيه الثقافة الكاملة التي ينبغي أن يزود بها شخصيته، وأيضا الأخلاق الأساسية التي تصوغ شخصيته الإسلامية.

 

ويختلف كتابه عن كتاب الشيخ القرضاوي في بعدين اثنين، الأول، في الهدف، فالقرضاوي توجه إلى بناء العدة الفكرية للداعية، بينما توجه الشيخ حوى إلى انتقاء ما يصلح من الكتب لبناء الشخصية التي تحقق الأهداف التي رسمها في مشروعه الحركي السياسي، والثاني، أن القرضاوي وسع مجال المراجع وسار على منهج البنا في الانفتاح والسعة، بينما جعل سعيد حوى مؤلفاته على رأس المحتوى التثقيفي، واستعان بمراجع أخرى، في المجالات المقترحة، بمعايير سياسية وحركية، إذ اتجه قصده إلى بناء مواقف الداعية لا تزويده بالمعارف والعدة الفكرية.

 

كتابات الغنوشي ترفع من مكانة المسألة الفكرية داخل الإسلاميين

 

شكلت كتابات الشيخ راشد الغنوشي، وكتابات الدكتور عبد المجيد النجار ثورة فكرية مهمة داخل الحركة الإسلامية، فقد قام الأول بفتح عقل الإسلاميين إلى ضرورة توطين الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة في فكر الإسلاميين دون أن ننسى نقاشاته المبكرة مع الفكرة العلمانية، كما ساهم الثاني، في إعادة موقعة الفكر الأصولي، بترتيبه لثلاثية الفهم في العقل الأصولي (فقه النص وفقه الواقع وفقه التنزيل) فضلا عن تمييزه بين الدين والتدين، وتأكيده على المستويات الثلاثة للنصوص التشريعية (قطعي الدلالة الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا، هو المراد الإلهي نفسه، وظني الدلالة الذي تتعدد معانيه، ولا يقطع بأنها تطابق المراد الإلهي إلا من جهة التقريب أو الترجيح، ومنطقة عفو أو فراغ تشريعي، الذي لم تؤطره الشريعة بنصوص تفصيلية).

 

وقد قام القياديان في حركة النهضة بدور هام في لفت الاهتمام للمسألة الفكرية، كل حسب مجال اختصاصه، فالأول قصد تبيئة مفردات الفكر السياسي المعاصر وتوطينها في الفكر الإسلامي، بينما قصد الآخر، إحداث ثورة هادئة في العقل الأصولي، تعين على خلق الشروط المساعدة لتحقيق التكيف مع الفكر السياسي المعاصر.

 

الدكتور فهد عبد الله النفيسي يحدث انتفاضة فكرية مبكرة داخل الإسلاميين

 

من سوء الحظ أن تجربة الإسلاميين في التأريخ ضعيفة، وإلا فإن المجلات والدوريات الصادرة في فترة السبعينيات والثمانينيات إلى حدود التسعينيات، تشهد بالدور الذي قام به الدكتور فهد عبد الله النفيسي، في لفت العناية إلى المسألة الفكرية، وبخاصة ما يتعلق بالسياسة الشرعية، ودورانها حول المصلحة والمفسدة، فالرجل ألف كتابا مبكرا عن السياسة الشرعية، يعتبر ثمرة دورات الإرشاد السياسي الذي كان يؤطر بها الإسلاميين في عدد من الأقطار، وكانت مجلة المجتمع الكويتية تنشرها بشكل أسبوعي، ويعود إليها الفضل في فتح شهية الإسلاميين للعمل السياسي، وبناء عقلهم المنهجي للتعامل معها.

 

عبد الحميد أبو سليمان والطموح لبرنامج ثقافي لتوحيد رؤية الأمة

 

وقد بلغ اهتمام الإسلاميين بالمسألة الفكرية أن اجتمع من أهم قياداتهم على أن أزمة الأمة فكرية، وأن طريق معالجتها لا يمكن أن يتم إلا بإصلاح عقل الأمة المنهجي، وإصلاح الفكر الإسلامي، وإعادة النظر في منهج التعامل مع مصادرها الشرعية، فضلا عن تجديد النظر للتراث الإسلامي وبناء منهج نقدي في التعامل مع معطيات الفكر الإنساني.

 

وفضلا عن الجهود التي قام بها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في مجال النشر وتنزيل خطته في الإصلاح الفكري وإصلاح المنهجية المعرفية، إلا أن مؤلف الدكتور عبد الحميد أبو سليمان “دليل مكتبة الأسرة المسلمة” يعطي صورة عن مركزية المسألة الفكرية في تقدير قيادات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وقد ألف كتابه ضمن عمل موسوعي دوري متجدد (يخضع للتطوير)، حاول فيه أن يقدم مجموعة من الكتب في شتى حقول المعرفة التي تحتاج إليها الأسرة المسلمة، حيث قام بتوزيعها على فصول حسب موضوعاتها، وكان يقصد من ذلك تأمين الحد الأدنى المشترك، لتكوين ثقافة متكاملة، تمنح الأسرة المسلمة حصانة فكرية.

 

وقد قصد من إصدار هذا الدليل مواجهة تحدي ضعف ثقافة المسلم والناشئة المسلمة، ومواجهة الغزو الثقافي، وتحقيق أكبر قدر من الوحدة الفكرية والعقدية بين أفراد الأمة. وقد رفع سقف تطلعه وطموحه، لما قصد أن يصير هذا الدليل بمثابة برنامج ثقافي، يتلقى فيه المسلمون مشرقا ومغربا مفاهيم واحدة سليمة وواضحة، تساعد في صياغة الشخصية الإسلامية المنشودة، وفي تقليل فجوات اختلاف المفاهيم والأفكار بينهم.

 

في أسباب الاهتمام بالمسألة الفكرية

 

ثمة أسباب كثيرة، دفعت الإسلاميين مبكرا للاهتمام بالمسألة الفكرية، فالذي يتتبع مقدمات الكتب التي بررت دواعي تأليف أصحابها لكتبهم ومحاولاتهم في حصر العدة الفكرية لتأطير العالمين داخل الحركات الإسلامية فضلا عن السياق الذي اندرجت فيه هذه المساهمات، يمكن أن يتوقف على أربعة أسباب رئيسة:

 

1 ـ الأول، أن قيادات الحركة الإسلامية كانت تسعى من خلال هذا التكوين الفكري لكسب معركة الاستقطاب والتأطير، ورفع القدرة التنافسية لها أمام التيارات الأخرى.

 

2 ـ الثاني، أن قيادات الحركة الإسلامية كانت تقصد بالإضافة إلى الدور التجنيدي، دورا تحصينيا، يسعى إلى إبعاد المستقطب الدعوي عن دائرة تأثير التيارات الأخرى المنافسة.

 

3 ـ الثالث، أن الحركات الإسلامية كانت تسعى إلى خلق الجندية التنظيمية من خلال تكوين عقل جماعي ورؤية موحدة تساعد القيادات على التوجيه السلس والتأثير في الأتباع لتحديد اتجاهاتهم وتعديلها.

 

4 ـ الرابع، أن الحركات الإسلامية كانت تسعى من خلال محورية المسألة الفكرية في مشروعها إلى تدشين مراجعات عميقة تساعد في التأهيل للاندماج السياسي، والتكيف مع متطلبات المشاركة السياسية.

 

هل غابت المسألة الفكرية عن مشروع الإسلاميين؟

 

يميل العديد من الإسلاميين، وبخاصة قياداتهم الفكرية، إلى الاعتراف بضمور المسألة الفكرية في المشروع الحركي، لكن أغلبهم يميلون إلى تفسير ذلك بالحالة العامة التي تعيشها الثقافة، وأن الثورة الرقمية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم تسهم فقط في ضعف انتشار الكتاب ومحدودية القراءة، بل أضعف حتى موقع المسألة الفكرية في برامج كل التيارات، ليس فقط في الوطن العربي، ولكن في مختلف بقاع العالم.

 

وإذا كان هذا التفسير يمتلك وجاهة قوية، إلا أن وضع المسألة الثقافية والفكرية لدى الإسلاميين اليوم، تتجاوز تأثير هذه الحالة العامة، فالذي يعاني منه الإسلاميون اليوم، ليس فقط تراجع المسألة الفكرية، بل تراجع الأفكار نفسها، وضعف ومحدودية العقل النظري الحركي في الرصد والتحليل والتفاعل والاستشراف، فقد أضحت عدد من القيادات غير مواكبة للحركية الفكرية، بل أصبح بعضها يواجه مشكلاته اليوم بعقل صيغت قواعد تفكيره في زمن محكومة بشروط تغيرت كثير من حيثياتها، فيما صار البعض الآخر، يفكر بمنطق عملي، مفصول عن أي أطر نظرية، بل أصبح بعض القادة، لا يعبأ بمتطلبات العقل النظري، ويعتبر ذلك عبئا ثقيلا على الحركة لا بد من التخلص منه.

 

ثمة أسباب كثيرة تفسر هذا التراجع، أميل فيها إلى النظرة التي كان يحملها الإسلاميون للفكر والثقافة، فقد كان أغلبهم ينظر إليها بمنظار وظيفي، أي ينظر إلى الكسب الذي يمكن أن تحققه، أي إلى دورها التجنيدي والتحصيني والسجالي والتأصيلي، فيما اليوم، فرضت تجربة الاندماج السياسي، آليات أخرى لتحقيق هذه الأهداف. فموت الخصم الإيديولوجي، لم يعد يبرر الحاجة للتحصين والسجال، والاندماج في تفاصيل العمل السياسي أضعف الحاجة للتأصيل، فيما صارت للمواقع والمصالح جاذبية في التجنيد وخلق الكتب وبناء الولاءات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
u7M8sXy5