لجنة تحقيق أحداث السودان تستقبل أكثر من مئتي بلاغ في خطوة مفصلية
أعلنت لجنة التحقيق المكلفة ببحث ملابسات الأحداث التي شهدتها مناطق مختلفة من السودان أنها استقبلت منذ بدء أعمالها أكثر من مئتي بلاغ، بينها ما يتصل بانتهاكات مزعومة وأعمال عنف طالت مدنيين وممتلكات عامة وخاصة. ويأتي هذا الإعلان في وقت تتواصل فيه المساعي الرامية إلى تثبيت الهدوء ومعالجة التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية التي خلفتها تلك الأحداث على المشهد الداخلي.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن اللجنة قد باشرت منذ تشكيلها في استقبال إفادات الشهود والمصابين وذوي المتضررين، فضلاً عن مراجعة الوثائق الرسمية والتقارير الميدانية الواردة من الجهات المختصة. وقد أكدت مصادر مطلعة أن الإقبال المتزايد على تقديم البلاغات يعكس حجم التأثير الذي تركته تلك الأحداث في وعي المواطنين وذاكرتهم الجماعية، لا سيما في الولايات التي كانت مسرحاً للاحتكاكات المسلحة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى التعقيدات التي يمر بها السودان على أكثر من صعيد، إذ تتقاطع تداعيات الأحداث الأمنية مع الأزمات الاقتصادية والمعاناة الإنسانية الناجمة عن النزوح وتدني الخدمات الأساسية. ولهذا فإن أي مسار محاسبة يتجاوز حدود الخطاب السياسي ليصل إلى آليات التقاضي الفعلية يظل موضع ترقب شعبي وإقليمي واسع، لا سيما أن مسار العدالة الانتقالية بات يمثل ركيزة لأي تسوية شاملة في البلاد.
مسار تشكيل الهيئة وصلاحياتها القانونية
جاء تشكيل لجنة التحقيق في إطار الصلاحيات المخوّلة للجهات المعنية بالتحري في الانتهاكات الجسيمة، حيث حُددت مهمتها في كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات وملاحقة الجناة أمام القضاء. وقد شُكّلت اللجنة من قضاة ومستشارين قانونيين وخبيرتين ضمن ذوي الاختصاص في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعكس رغبة في إضفاء طابع من الحياد والاستقلالية على أعمالها.
ووفقاً لما أُعلن في وقت سابق، تتمتع اللجنة بصلاحية استدعاء الشهود والمصابين والاستماع إلى إفاداتهم تحت القساط القيد القانوني، فضلاً عن حقها في طلب أي بيانات أو وثائق من المؤسسات الرسمية والخاصة. كما أُوكِل إليها مهمة تصنيف الوقائع وفق طبيعتها القانونية، تمهيداً لإحالة الملفات المكتملة إلى النيابة المختصة لاستكمال الإجراءات القضائية وفق الأصول المرعية.
وتعمل اللجنة في سياق دقيق تتشابك فيه الأبعاد السياسية والأمنية والقانونية، ما يجعل من مهمتها اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات السودانية على تجاوز الحسابات الضيقة لصالح إنصاف الضحايا وترسيخ مبدأ سيادة القانون. ومن المرتقب أن يصدر تقريرها الختامي في وقت لاحق بعد استكمال جمع الإفادات والأدلة اللازمة.
تفصيل البلاغات وأنواعها
كشفت مصادر اللجنة أن البلاغات الواردة تتوزع على فئات متعددة تعكس تنوع الانتهاكات المرصودة، ومن أبرز هذه الفئات ما يلي:
- بلاغات تتعلق بحالات فقدان طوفية أبنائها أو أقاربها خلال الأحداث
- شكاوى مصنفة ضمن أعمال العنف الجسدي والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة
- إفادات متعلقة بعمليات نهب وتهجير قسري طالت سكان بعض المناطق المتأثرة
- بلاغات تخص تجاوزات مزعومة ارتكبتها أطراف مسلحة أو عناصر تابعة لها
وتعكف فرق العمل الميدانية على فرز هذه البلاغات وتدقيقها وجمع القرائن المرتبطة بها قبل رفع التوصيات بشأنها. وقد لوحظ أن كثافة البلاغات تتفاوت من منطقة إلى أخرى بحسب حجم الضرر الذي لحق بكل ولاية، وهو ما يستدعي تخصيص فرق متنقلة للوصول إلى المناطق النائية وضمان عدم إقصاء أي حالة من مسار المتابعة.
مواقف القوى السياسية والمجتمع المدني
تفاعلت أطراف سياسية ومدنية مع الإعلان الأخير للجنة، حيث رحبت قوى سياسية عديدة بما وصفته بالخطوة الجادة نحو إحقاق العدالة، مشددة على ضرورة تمكين اللجنة من أداء مهامها دون تدخلات أو ضغوط. في المقابل، طالبت منظمات المجتمع المدني بإشراك الضحايا وذويهم في مختلف مراحل التحقيق، بما يضمن شفافية الإجراءات ويعزز الثقة في مخرجاتها.
وأبدى ناشطون حقوقيون تحفظاتهم على بعض الجوانب الإجرائية، داعين إلى توسيع نطاق الحماية القانونية للشهود والمبلغين، وسرعة نشر المعطيات المتوافرة بما يحقق الردع ويمنع إفلات الجناة من العقاب. كما شددوا على أن مجرد كثرة البلاغات لا يكفي وحده ما لم يُترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع عبر محاكمات عادلة ومنصفة.
وفي هذا السياق، تتواصل جهود استئناف الحوار بين الفرقاء كمسار موازٍ لعمل اللجنة، سعياً للوصول إلى تفاهمات منوط شاملة تُفضي إلى معالجة الجذور العميقة للأزمة الراهنة.
آليات عمل اللجنة وخططها المرحلية
حددت اللجنة منهجية عملها في عدة مراحل متتابعة ومتكاملة، يمكن تلخيص أبرز معالمها فيما يلي:
- استكمال استقبال البلاغات حتى نهاية المهلة المعلنة، مع إمكانية التمديد في حال اقتضت الضرورة الميدانية
- تصنيف البلاغات وفرزها وفق طبيعتها الجغرافية والموضوعية الخطية
- مباشرة عمليات التحقق الميداني عبر زيارات ميدانية ولقاءات مباشرة مع الشهود والمصابين
- إعداد تقارير مرحلية تُحال عن اللجنة ومذكرتها الختامية إلى الجهات المختصة
وتعكف اللجنة في الوقت الراهن على تنسيق عملها مع الأجهزة القضائية والأمنية ذات الصلة، بما يضمن سلاسة انتقال الملفات المكتملة إلى مرحلة المحاكمة. ومن المنتظر أن تُعلن اللجنة قريباً عن فتح منصة متابعة مخصصة لتلقي البلاغات الجديدة وتمكين المواطنين من متابعة أي تسريب حرج يخص سير العمل.
العقبات والتحديات أمام مسار التحقيق
لا يخلو مسار التحقيق من تحديات لوجستية وقانونية وسياسية، أبرزها صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بسبب هشاشة الوضع الأمني وانتشار نقاط التفتيش. كما أن بطء حركة تنقل المواطنين في بعض الولايات يؤثر سلباً في قدرة الإمدادات الخاصة باللجنة، فتدعم أعمالها الميدانية وتُعيق سرعة إنجاز التقارير المرحلية.
وتبرز تحديات أخرى ذات طابع مؤسسي، تتعلق بضعف الإمكانيات المادية والفنية المتاحة، وندرة الكوادر المؤهلة في مجال الطب الشرعي وتوثيق الانتهاكات. ويضاف إلى ما سبق حساسية الملف سياسياً، إذ إن بعض الأطراف قد تتضرر من نتائج التحقيق، مما قد يدفعها إلى محاولة عرقلة المسار القضائي أو التأثير على قراراته.
انعكاسات المشهد الراهن على المسار القضائي
يترقب الشارع السوداني والإقليم والدولي مخرجات هذا المسار القضائي، الذي يُنظر إليه باعتباره اختباراً لمدى جدية السلطات في معالجة تداعيات الأحداث الجسيمة. ويُتوقع أن تسهم نتائج التحقيق في رسم ملامح المرحلة الانتقالية القادمة، سواء من حيث ترسيخ المصالحة الوطنية أو استعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
وعلى صعيد أوسع، يمكن أن تكون لنتائج التحقيق تداعيات مباشرة على جهود إعادة الإعمار وإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية. كما أن نجاح اللجنة في إثبات قدرتها على الإنصاف والمهنية سيرسل رسالة قوية إلى المجتمع الدولي حول قدرة السودان على تجاوز أزماته الداخلية بالاعتماد على مؤسساته الوطنية، بما يعزز من فرص استقطاب الدعم الإقليمي والدولي اللازم لمرحلة ما بعد الاستقرار. ولا تزال شبكة أخبار السودان تتابع عن كثب مستجدات هذا الملف وتوفر للمتابعين تحديثات لحظية حول مجريات التحقيق وقراراته المرحلية.