شباب السودان على شاطئ النيل: مبادرة تطوعية في يوم البيئة العالمي
في الخامس من يونيو من كل عام، يحتفي العالم بـاليوم العالمي للبيئة، وهو موعد تتجدد فيه الأسئلة حول علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي. وفي السودان، حيث يعبر النيل قلب البلاد من جنوبه إلى شماله، وجد مجموعة من الشباب أن أفضل طريقة للاحتفال هي النزول إلى الشاطئ وتنظيفه بأيديهم المفتوحة. انطلقت المبادرة من رغبة بسيطة في ردّ جزء من الجمال إلى نهرٍ لطالما منح أهله الحياة والصبر، فتحولت خلال ساعات إلى مشهد مجتمعي شارك فيه طلاب وجامعيون وأسر بأكملها.
جاءت الفكرة، بحسب المنظمين، بعد ملاحظة تراكم المخلفات البلاستيكية والعلب المعدنية على ضفاف النيل في بعض المناطق القريبة من العاصمة، حيث تتجمع هذه النفايات بفعل الرياح والمياه. وسرعان ما تحولت الدعوة المفتوحة إلى حراك شبابي واسع، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي ساعدت في نشر التفاصيل وتحديد نقاط التجمع وأدوات التنظيف اللازمة.
الانطلاقة من ضفاف الخرطوم
اختارت اللجنة المنظمة شاطئاً قريباً من منطقتي سوبا وبحري كنقطة انطلاق، نظراً لسهولة وصول المشاركين إليه ولقربه من تجمعات سكنية كثيفة. تجمّع المتطوعون في الصباح الباكر، ومعهم أكياس القمامة وقفازات وأدوات بسيطة، قبل أن ينقسموا إلى فرق صغيرة توزعت على مساحة الشاطئ. رافق الفرق شباب من منظمات أهلية وممثلون عن بعض الاتحادات الطلابية الذين حرصوا على توثيق اللحظات بصور ومقاطع فيديو، نقلتها لاحقاً صفحات المجتمع المدني على الإنترنت.
لم تقتصر المشاركة على الشباب الجامعيين وحدهم، بل شهدت الفعالية حضور أطفال برفقة ذويهم، ما أضفى طابعاً عائلياً على اليوم. وأوضح أحد المنسقين أن هذا التنوع في الأعمار يعكس رسالة المبادرة الأوسع، إذ إن الحفاظ على البيئة مسؤولية تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند المؤسسات الرسمية. وتابع المشاركون أن توزيع أكياس القمامة الملونة ساعد في تسهيل عملية الفرز منذ البداية، وهو ما قلل من الجهد اللاحق في إعادة التدوير.
أيادي المتطوعين على رمال النيل
سرعان ما امتلأت الأكياس بزجاجات المياه البلاستيكية وأغلفة الأطعمة وقطع الزجاج المكسور. عبّر أحد الشباب المشاركين عن دهشته من حجم النفايات التي تم جمعها خلال ساعات قليلة، قائلاً إن ما شاهده يكشف عن مشكلة مزمنة في علاقة المجتمع بالنيل. ورأى آخرون أن الحملة لم تكن مجرد يوم تنظيف، بل جرس إنذار حول نمط الاستهلاك اليومي الذي ينعكس مباشرة على البيئة المائية.
عملت الفرق كذلك على جمع المخلفات الإلكترونية الصغيرة كالكابلات والبطاريات التالفة، وهي فئة من النفايات يزداد وجودها في المياه العذبة مع توسع استخدام الأجهزة في الحياة اليومية. وفي هذا السياق، تتأثر خيارات المستهلكين بشكل مباشر بسياسات التجارة الدولية، إذ إن ارتفاع أسعار الأجهزة بسبب أثر الرسوم الجمركية على الإلكترونيات يغيّر من أنماط الشراء والتخلص، وهو ما يضع مسؤوليات جديدة على عاتق حملات التوعية البيئية.
النيل شريان حياة لا مجرد مجرى مائي
يمثّل النيل للسودان أكثر من مصدر للمياه؛ فهو رافد اقتصادي وثقافي وروحي تتشابك حوله حكايات الأجيال. ويعتمد عليه قطاع واسع من السكان في الزراعة وصيد الأسماك والنقل النهري، فضلًا عن كونه وجهة ترفيهية يقصدها أبناء المدن في المناسبات. لذلك فإن أي تلوث يصيب مياهه ينعكس سريعاً على الصحة العامة وعلى مصادر الرزق، وهو ما يفسر حساسية المجتمع المحلي تجاه قضايا نظافته.
تشير تقارير بيئية إلى أن النيل الأزرق والأبيض يعانيان من ضغوط متزايدة بسبب التصريف العشوائي لمياه الصرف الصحي والنفايات الصناعية والحضرية. ويؤكد ناشطون بيئيون أن التحركات التطوعية، على أهميتها، لا تكفي وحدها ما لم تُقترن بسياسات حكومية واضحة لمعالجة مصادر التلوث من جذورها. ويطالب هؤلاء بوضع حاويات ثابتة على طول الشواطئ العامة، وتكثيف حملات التفتيش على المنشآت الملوثة، وتشديد الرقابة على التخلص من النفايات الصلبة.
تحديات لوجستية وروح مجتمعية عالية
واجه المنظمون بعض الصعوبات اللوجستية، أبرزها نقص وسائل النقل لنقل النفايات المجمّعة، وعدم توفر حاويات كبيرة بما يكفي في موقع الحدث. كما تطلّب الأمر التنسيق مع الجهات المحلية للحصول على تصاريح الدخول إلى بعض المناطق الشاطئية. غير أن روح المتطوعين عوّضت كثيراً من هذه النواقص، حيث تكفل عدد من أصحاب المركبات الخاصة بنقل الأكياس إلى نقاط التجميع، بينما وفّر تجار محليون مياه شرب ووجبات خفيفة للمشاركين دون مقابل.
ولم يغب عن المشهد البعد الرمزي، إذ رفع المشاركون لافتات كتبوا عليها عبارات تشجع على احترام النيل، مثل "النيل أمّنا" و"نظف شاطئك تحمي مدينتك". وتحوّلت هذه اللافتات إلى مادة متداولة على نطاق واسع، أعادت طرح النقاش حول أهمية النظافة العامة في الفضاءات العامة السودانية. ويرى مراقبون أن مثل هذه اللحظات العفوية قد تكون أكثر تأثيراً في تغيير السلوك اليومي من الحملات الرسمية المطوّلة.
رسائل توعوية ونماذج تحتذى
ركّزت الفعالية أيضاً على جانب تثقيفي، حيث وزّع المنظمون مطويات تشرح مخاطر البلاستيك على الكائنات المائية وأهمية إعادة التدوير. وتضمّنت المواد إرشادات مبسّطة حول كيفية فرز النفايات في المنازل، وكيف يمكن للمتاجر الصغيرة المشاركة في تقليل استخدام الأكياس البلاستيكية. كما أُتيحت للأطفال ورش رسم على الرمال، تعلّم من خلالها مشاركون صغار مفهوم البصمة البيئية بأسلوب يناسب أعمارهم.
أبدى عدد من المعلمين الذين حضروا مع طلابهم اهتماماً بتكرار التجربة في المدارس، خصوصاً في المدن التي تقع على ضفاف النيل كمدني وعطبرة ودنقلا. وتتواصل حالياً جهود لتأسيس شبكة تطوعية دائمة، تعقد لقاءات شهرية في شواطئ مختلفة، وتتولى متابعة مستوى النظافة ونشر تقارير دورية. ويمكن للراغبين في متابعة هذه التحركات الاطلاع على تغطيات شبكة sdnewsnetwork التي تواكب المبادرات البيئية والاجتماعية في السودان.
آفاق الامتداد واستمرار الزخم
تفتح هذه الفعالية الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل العمل التطوعي البيئي في السودان، خاصة في ظل التحولات المناخية التي يشهدها الإقليم. ويشير خبراء إلى أن تكرار مثل هذه الأنشطة يمكن أن يُسهم في بناء وعي تراكمي لدى الأجيال الناشئة، ويؤسس لثقافة مجتمعية ترى في حماية الموارد الطبيعية واجباً يومياً لا مناسبة سنوية. كما أن نجاح التجربة، وفق ما يرويه المنظمون، يدفعهم للتخطيط لنسخ أوسع في ولايات أخرى، لتشمل مدناً ساحلية على البحر الأحمر ومناطق زراعية تعتمد على النيل.
تظل قيمة مثل هذه الحملات في قدرتها على جمع الناس حول هدف مشترك بسيط وعميق في آن: أن يعيد كل فرد شيئاً من الحياة إلى المكان الذي ينتمي إليه. وفي بلد يعبره أطول نهر في العالم، يبدو أن شباب السودان وجدوا في شاطئ النيل مساحة للتعبير عن انتمائهم، ولإثبات أن التغيير الحقيقي يبدأ غالباً من رمال تحت أقدامهم.