وفد سوداني في القاهرة لبحث ملف سد النهضة الإثيوبي
وصل إلى العاصمة المصرية القاهرة وفد رسمي سوداني للمشاركة في جولة جديدة من المفاوضات المتعلقة بملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، في وقت تتزايد فيه المخاوف الإقليمية من تداعيات المرحلة الثانية من الملء على دولتي المصب. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي دبلوماسية مكثفة لاستئناف الحوار الثلاثي بين السودان ومصر وإثيوبيا، بعد جمود دام أشهراً نتيجة الخلافات حول الإطار القانوني الملزم وآلية تبادل البيانات الفنية.
تكتسب المفاوضات المرتقبة أهمية خاصة بالنظر إلى أن السودان يقع مباشرة في دائرة التأثير، إذ يعتمد على مياه النيل الأزرق في ري مشاريعه الزراعية ومياه الشرب، فضلاً عن توليده جزءاً من كهربائه من سد الروصيرص القريب من الحدود الإثيوبية. وتسعى الخرطوم من خلال هذا التحرك إلى حماية مصالحها المائية، وضمان ألا تتكرر الأضرار التي لحقت بها خلال موجات الملء السابقة، حين ارتفع منسوب الفيضان في بعض المناطق وتضررت أراضٍ زراعية وقرى حدودية.
ويرى مراقبون أن اختيار القاهرة كساحة للتفاوض يحمل دلالات سياسية واضحة، نظراً للعلاقات التاريخية المتشابكة بين مصر والسودان، ولدور الوساطة الذي لعبته القاهرة في مراحل سابقة من الأزمة. كما يعكس الحرص السوداني على تنسيق المواقف مع الشريك المصري قبل أي خطوة مشتركة تجاه أديس أبابا، خاصة في ظل التعقيدات الإقليمية التي أفرزتها التوترات في القرن الأفريقي.
خلفية المفاوضات ومسارها التاريخي
بدأت أزمة سد النهضة تأخذ طابعها الإقليمي بعد إعلان إثيوبيا في عام 2011 عن عزمها إنشاء السد على النيل الأزرق، وهو المشروع الذي أثار منذ البداية تحفظات القاهرة والخرطوم حول تأثيره على حصتيهما من المياه. وعلى مدار أكثر من عقد من الزمان، تعاقبت جولات تفاوضية برعاية إفريقية وأممية، لكنها لم تفلح في الوصول إلى اتفاق شامل يرضي الأطراف الثلاثة.
شهدت المفاوضات محطات بارزة، أبرزها اتفاق إعلان المبادئ الموقّع في 2015، والذي اعترف بحق إثيوبيا في استخدام مواردها المائية مع التزامها بعدم الإضرار بدولتي المصب. غير أن الخلاف ظل قائماً حول عدد من النقاط الجوهرية، من بينها آلية ملء الخزان، وقواعد التشغيل السنوي، وآلية فض النزاعات في حال نشوء خلافات مستقبلية. وتوقفت المفاوضات رسمياً في أبريل 2021 بعد أن لجأت إثيوبيا إلى الملء الثاني دون توافق مسبق.
في ظل هذا التعقيد، عاد السودان إلى طاولة الحوار انطلاقاً من إدراكه بأن استمرار الجمود يخدم طرفاً واحداً فقط، وأن أي تسوية مستقبلية يجب أن تتضمن ضمانات حقيقية تحد من مخاطر الفيضانات وتجفيف مجاري الأنهار. ويؤكد مراقبون، كما ورد في تقرير منشور على mkhawf-mn-nqs-alkhbz-ntyjt-twqf-b-d-almkhabz-n-al-ml، أن ملف السد لم يعد شأناً تقنياً فحسب، بل بات قضية أمن مائي واقتصادي تمس استقرار المنطقة بأسرها.
تركيبة الوفد السوداني والأجندة المطروحة
يضم الوفد السوداني المشارك في القاهرة ممثلين عن وزارات الري والخارجية والطاقة، إلى مستشارين قانونيين وخبراء في الهيدروليكا، وهو تشكيل يعكس الرغبة في تغطية الجوانب الفنية والسياسية للمفاوضات. ويترأس الوفد وزير الري المكلف، الذي أكد في تصريحات سابقة أن بلاده ستتعامل مع الملف وفق مبدأ الحلول التوافقية التي تحفظ الحقوق وتمنع أي أضرار محتملة على مواطنيه.
تتضمن الأجندة السودانية أربع نقاط أساسية، أبرزها المطالبة بإبرام اتفاق قانوني ملزم ينظم مراحل الملء والتشغيل، بدلاً من الاكتفاء ببيانات سياسية عامة. كما يطالب الوفد بالحصول على معلومات فنية دقيقة ومُسبقة حول مواعيد الملء وكميات المياه التي ستُحجز خلف السد، بما يتيح للسودان التخطيط لمواسمه الزراعية ولإدارة خزاناته الداخلية بكفاءة.
تشمل المطالب أيضاً إنشاء آلية تنسيق دائمة بين الدول الثلاث لمراقبة التشغيل، إلى جانب ضمان تعويضات عادلة في حال وقوع أضرار جسيمة. ويرى السودان أن تجاهل هذه المطالب سيُبقي المنطقة على حافة أزمة مفتوحة، لا سيما في ظل التغيرات المناخية التي تقلص بالفعل كميات الأمطار المتدفقة عبر حوض النيل الأزرق.
القضايا الفنية والقانونية على الطاولة
تتصدر القضايا الفنية جدول الأعمال، وعلى رأسها الاتفاق على قواعد التشغيل السنوي، التي تشمل الحد الأدنى لتدفق المياه إلى دولتي المصب خلال فترات الجفاف، ومستوى المياه المتوقع في بحيرة السد عند اكتمال البناء. وتؤكد الخرطوم ضرورة وضع معايير صارمة تمنع أي تصرفات أحادية من شأنها الإضرار بالأمن المائي السوداني على المدى الطويل.
أما على الصعيد القانوني، فيتمسك السودان ومصر بالتوصل إلى اتفاقية مُلزمة قانونياً، تحل محل البيانات السياسية السابقة التي لم تتجاوز نطاق التفاهمات المبدئية. ويعتبر الجانبان أن غياب الإطار القانوني هو السبب الجوهري وراء تعثر المفاوضات، إذ ترك الباب مفتوحاً أمام تأويلات مختلفة لالتزامات الدول الثلاث، وهو ما أتاح لإثيوبيا تنفيذ ملء السد دون الرجوع لشركائها.
كذلك تبرز مسألة آلية فض النزاعات، إذ يطالب السودان بأن تتضمن أي تسوية بنداً واضحاً يحدد الجهة التي ستحتكم إليها الأطراف في حال نشوء خلاف، سواء كانت محكمة العدل الدولية أو آلية تحكيم إقليمية. ويرى خبراء أن تجاوز هذه النقاط سيجعل أي اتفاق هشاً وقابلاً للانهيار في أول اختبار تقني أو مناخي.
المواقف الإقليمية والدولية المحيطة بالمفاوضات
تتفاعل الأطراف الإقليمية والدولية مع ملف السد بدرجات متفاوتة، إذ أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مراراً دعمهما لأي تسوية تراعي مصالح جميع الأطراف. وتلعب جامعة الدول العربية دوراً تنسيقياً بين القاهرة والخرطوم، في حين تحاول منظمة الإيغاد الأفريقية الحفاظ على تماسك الموقف الإفريقي تجاه المشروع الإثيوبي رغم انقسامات الدول الأعضاء.
على الجانب الآخر، تتعامل إثيوبيا مع الملف من منظور سيادي بحت، مؤكدة أن السد مشروع تنموي لا يستهدف الإضرار بأي دولة، وأنها مستعدة لاستئناف المفاوضات بشرط أن تراعي الاتفاق المقترح حقها في التنمية. غير أن هذا الموقف يصطدم مع مطالبتي القاهرة والخرطوم بضمانات قانونية وفنية، وهو ما يطيل أمد الأزمة ويعمّق الفجوة بين الأطراف.
في هذا السياق، يتابع موقع نكيروكا نيستوران التطورات عن كثب، مسلطاً الضوء على الخلفيات الاقتصادية للمشروع الإثيوبي ودوافعه السياسية. كما تبرز تغطيات صحيفة تنغير برس للمشهد من زاوية مغربية، مؤكدة أن استقرار حوض النيل يخدم الأمن المائي في شمال أفريقيا بأسرها ولا يقتصر على الدول الثلاث المباشرة.
انعكاسات الملف على السودان داخلياً
يتردد صدى قضية سد النهضة في الداخل السوداني من خلال قطاعات حيوية كالزراعة والكهرباء وإمدادات مياه الشرب. ويعتمد ملايين المزارعين على مياه النيل الأزرق في ري محاصيلهم، مما يجعل أي تقلص في التدفق المائي تهديداً مباشراً للأمن الغذائي في ولايات الجزيرة والقضارف وسنار. وتؤكد دراسات محلية أن استمرار الملء دون تنسيق قد يُفقد السودان مساحات واسعة من الأراضي الخصبة.
في قطاع الكهرباء، يرتبط تشغيل سد الروصيرص ارتباطاً وثيقاً بكميات المياه المتدفقة، مما يعني أن أي انخفاض غير متوقع في المناسيب سيؤثر على قدرة التوليد ويزيد من اعتماد البلاد على الوقود الأحفوري المستورد. ويضاف إلى ذلك أثر ارتفاع منسوب الفيضانات على المناطق الحدودية، حيث نزح آلاف السكان في بعض المواسم بسبب تدفق مياه زائدة وغير مُدارة بشكل مسبق.
لذلك تتعامل الحكومة الانتقالية مع الملف باعتباره أولوية وطنية، وتحرص على إشراك المجتمع المدني والخبراء المحليين في صياغة الموقف التفاوضي. ويمكن للمهتمين متابعة آخر التطورات عبر شبكة أخبار السودان التي تقدم تغطية شاملة ومستمرة لهذا الملف وغيره من القضايا المصيرية التي تهم المواطن.
آفاق المرحلة المقبلة وسيناريوهات محتملة
تتراوح السيناريوهات المتوقعة بين ثلاثة مسارات رئيسية، يتصدرها إمكانية التوصل إلى اتفاق إطار يحقق اختراقاً ولو جزئياً في القضايا الخلافية، خاصة مع ضغوط المجتمع الدولي المتزايدة. وقد يمهد هذا الاتفاق لعقد قمة ثلاثية على مستوى القادة، تتوج بتوقيع وثيقة شاملة تنهي سنوات من الجمود وتعيد الثقة بين الأطراف.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار المفاوضات دون حسم، وهو ما يعني أن السودان سيبقى في حالة ترقب دائمة، مع مخاطر استمرار الأضرار الناجمة عن الملء الأحادي. وفي هذه الحالة، تلوح خيارات تصعيدية تتراوح بين اللجوء إلى المؤسسات الدولية وتجميد بعض أشكال التعاون الإقليمي مع أديس أبابا.
ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأكثر تشاؤماً، ويتمثل في انهيار المفاوضات واتساع رقعة التوتر بين الدول الثلاث، مع ما يترتب على ذلك من أزمات إنسانية واقتصادية. ولتجنب هذا المسار، يدعو السودان إلى انتهاج مقاربة مرنة تستند إلى المصلحة المشتركة، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مهما كانت حدة الخلافات.
أبرز نقاط الخلاف الرئيسية
- آلية ملء خزان السد خلال فترات الجفاف والفيضانات
- قواعد التشغيل السنوي وتدفق المياه إلى دولتي المصب
- صياغة إطار قانوني ملزم يحل محل البيانات السياسية
- إنشاء آلية مستقلة لرصد التنفيذ وفض النزاعات
دوافع استئناف الحوار في القاهرة
- تراجع منسوب المياه في النيل الأزرق خلال المواسم الأخيرة
- تضرر مساحات زراعية في الجزيرة وسنار نتيجة الفيضانات
- تنامي الضغوط الدولية لإيجاد تسوية عاجلة وشاملة
- الرغبة السودانية في تنسيق المواقف مع الشريك المصري