مؤتمر صحفي يكشف نقص الأدوية في الولايات السودانية
عقدت لجنة أطباء السودان المركزية مؤتمرًا صحفيًا في الخرطوم لتسليط الضوء على نقص الأدوية المنقذة للحياة في عدد من الولايات، وسط تحذيرات من انهيار وشيك يهدد المنظومة الصحية. وأبدى المتحدثون قلقهم من أن الوضع تجاوز التحذيرات السابقة ليصل إلى مستويات حرجة تستوجب تدخّلًا عاجلًا من الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية العاملة في البلاد.
جاء المؤتمر في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن الأزمة الراهنة مع تصاعد النزاعات وتوقف سلاسل الإمداد عبر المنافذ البرية والبحرية، إضافة إلى تراجع التمويل المخصص للقطاع الصحي. ويخشى الأطباء من أن يتحوّل النقص إلى كارثة إنسانية إذا لم تُسرَّع الإجراءات لتأمين مخزون استراتيجي من الأدوية وتيسير وصولها إلى المستشفيات الريفية.
خلفية المؤتمر الصحفي وأهدافه
نظّمت لجنة أطباء السودان المؤتمر في مقر نقابة الأطباء بالخرطوم بمشاركة ممثلين عن لجان الأطباء في عدة ولايات، بهدف توثيق الواقع الميداني وعرض الأرقام المتوفرة بشأن المخزون الدوائي. ووصفت اللجنة المؤتمر بأنه محاولة لكسر حاجز الصمت حول ما يجري داخل المؤسسات الصحية، مؤكدة أن التقارير التي بحوزتها تشير إلى تدهور خطير في توافر الأدوية الأساسية كأدوية السكري والضغط والمضادات الحيوية وأدوية الطوارئ.
سعت اللجنة من خلال المؤتمر إلى حشد الرأي العام والضغط على وزارة الصحة الاتحادية لفتح قنوات استيراد عاجلة، فضلًا عن مخاطبة المنظمات الإقليمية والدولية لتوفير دعم طارئ. كما طالبت بإعادة هيكلة آليات توزيع الأدوية لضمان وصولها إلى الولايات النائية التي تعاني من العزلة الجغرافية وضعف المواصلات.
تفاصيل الندرة في الأدوية الأساسية
كشف الأطباء خلال المؤتمر عن قائمة طويلة من الأدوية المفقودة في صيدليات الطوارئ وغرف العمليات، تشمل المحاليل الوريدية وأدوية التخدير ومضادات السموم وأدوية علاج الأورام وأدوية الأمراض المزمنة. وأوضحت بيانات اللجنة أن ولايات دارفور وكردوفان وولايات الشرق تعد من أكثر المناطق تأثرًا، حيث تنفد المخزونات خلال أيام قليلة من وصولها، وسط صعوبات في النقل والتخزين والنقص في الكوادر الفنية.
أشار المتحدثون إلى أن النقص لا يقتصر على الأدوية الحديثة فحسب، بل يمتد إلى الأدوية الجنيسة التي كانت تُنتج محليًا أو تستورد بأسعار معقولة. ويرى مراقبون أن ارتفاع معدلات الوفيات في بعض المناطق، مثلما يوثّق ارتفاع معدلات النزوح في دارفور، يعود جزئيًا إلى انهيار الخدمات الصحية وتراجع فرص العلاج بسبب استمرار النزاعات.
تأثير الأزمة على المرضى والمرافق الصحية
تنعكس أزمة نقص الأدوية بصورة مباشرة على حياة المرضى، إذ يضطر كثير منهم إلى شراء الأدوية من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، بينما يتأخر آخرون في تلقي العلاج حتى تنتهي حصص الأدوية المتوفرة في المستشفيات. وقد أبلغت لجان الأطباء في عدة مستشفيات عن توقف عمليات جراحية بسبب غياب مواد التخدير، وعن إجبار أسر على نقل ذويهم إلى العاصمة بحثًا عن علاج قد لا يتوفر أيضًا.
في ولاية الخرطوم، تتكرر شهادات عن اكتظاظ في أقسام الطوارئ بسبب تحويل الحالات من الولايات التي تشهد انهيارًا شبه كامل في خدماتها. وتؤكد تقارير ميدانية، من بينها ما يرد في ملف تدهور خدمات مستشفى أم درمان، أن الضغط المتزايد يفاقم من معاناة الطواقم الطبية ويحدّ من قدرتها على الاستجابة للحالات الحرجة في الوقت المناسب.
ردود الفعل الرسمية والشعبية
أعلنت وزارة الصحة الاتحادية أنها تتابع التقارير الواردة من لجنة الأطباء، مؤكدة وجود خطة لتأمين الإمدادات الدوائية عبر خطوط بديلة. غير أن الوزارة لم تعلن حتى الآن عن جدول زمني واضح لاستعادة المخزون المفقود، وهو ما اعتبره الأطباء قصورًا في الاستجابة لحجم الكارثة. من جانبهم، طالب نواب في البرلمان بفتح تحقيق حول أسباب تأخر وصول شحنات الأدوية إلى مخازن الإمداد الطبي.
على المستوى الشعبي، شهدت المدن السودانية حملات تبرع لدعم المستشفيات بالأدوية والمستلزمات الطبية، فيما دشن ناشطون على منصات التواصل الإلكتروني وسومًا للمطالبة بتدخل دولي عاجل. ويرى محللون أن تنامي الدور الشعبي يعكس حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش في المرافق الصحية، وهو ما يستدعي إعادة تقييم شاملة للسياسات الدوائية في المرحلة المقبلة.
مقارنة بين الولايات الأكثر تضرراً
كشفت الأرقام التي عرضها المؤتمر عن تباين واضح في حجم الضرر بين الولايات، وفق مؤشرات تتعلق بنسبة توفر الأدوية وشهور التغطية المتبقية وعدد المرافق المتضررة. ويوضح الجدول التالي مقارنة مبسطة لأبرز الولايات المتأثرة:
| الولاية | نسبة توفر الأدوية الأساسية | أشهر التغطية المتوقعة | عدد المرافق المتضررة |
|---|---|---|---|
| دارفور | 18% | أقل من شهر | 47 |
| كردوفان | 22% | شهر ونصف | 31 |
| ولايات الشرق | 25% | شهران | 28 |
| الخرطوم | 41% | ثلاثة أشهر | 12 |
| النيل الأزرق | 30% | شهران | 19 |
تُظهر هذه الأرقام أن الولايات ذات الكثافة السكانية المنخفضة والبعيدة عن المركز هي الأكثر تضررًا، وهو ما يعكس خللًا في آليات التوزيع المركزية. كما تكشف الفجوة بين الخرطوم وبقية الولايات عن حاجة ملحة لإعادة النظر في سلاسل الإمداد وتوسيع صلاحيات الولايات في استيراد الأدوية بما يتناسب مع احتياجاتها الفعلية.
جهود الإغاثة والدعم الدولي
تتواصل التحركات مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية لتوفير شحنات طارئة من الأدوية الأساسية. وأكّد متحدث باسم منظمة الصحة العالمية أن هناك تنسيقًا جاريًا مع السلطات السودانية لإيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة، مشيرًا إلى أن العقبات اللوجستية والأمنية لا تزال تحدّ من سرعة الاستجابة. وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع حراك دبلوماسي سوداني يهدف إلى تعزيز قنوات التعاون مع دول الجوار لتيسير مرور الإمدادات الطبية.
تسهم مبادرات المجتمع المدني والقطاع الخاص في سدّ جزء من الفجوة، من خلال توفير قوافل طبية وتسيير حملات لجمع الأدوية الفائضة من الصيدليات والمستشفيات الخاصة. غير أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم الاحتياجات، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية الصحية وتعتمد على المرافق الميدانية المتنقلة.
توصيات لمعالجة الأزمة الصحية
أكدت لجنة الأطباء أن الخروج من الأزمة الحالية يستلزم تظافر الجهود الرسمية والشعبية والدولية، معتبرة أن الاستمرار في النهج القائم سيقود إلى مزيد من التدهور في الخدمات الأساسية. وشددت على أن أي تأخير في تنفيذ الحلول المقترحة سيُحمَّل أصحاب القرار المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن أي تدهور إضافي في صحة المواطنين، لا سيما في الولايات التي تشهد معدلات وفيات مرتفعة بين الأطفال والنساء الحوامل.
وقدّمت اللجنة خلال المؤتمر مجموعة من التوصيات التي وصفتها بالضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المنظومة الصحية، وأبرزها:
- تشكيل غرفة عمليات مركزية تضم وزارة الصحة ولجنة الأطباء وشركاء دوليين لمتابعة ملف الأدوية أولًا بأول
- تخصيص خطوط تمويل عاجلة لاستيراد الأدوية المنقذة للحياة عبر آليات سريعة ومبسطة
- إعادة تنشيط خطوط الإمداد البرية والجوية مع دول الجوار لتجاوز العقبات الأمنية واللوجستية
- تفعيل دور الولايات في استيراد وتوزيع الأدوية وفق خطط مرنة تراعي خصوصية كل منطقة
- إطلاق منصة رقمية شفافة لمتابعة المخزون الدوائي في كل ولاية ومنع التلاعب أو التهريب